السيد محمد حسين فضل الله
282
من وحي القرآن
فيه من طرق الضلال ، أو ينحرفون به من سبيل . . . وفي هذه الآيات بعض الحديث عن ذلك . وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ فقد أودع في أصلاب الرجال النطف التي يخلق منها الذرية بالوسائل الطبيعية ، على أساس ما جعله من قوانين الخلق والإيجاد وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ ؟ ولكن هل كان هذا الإشهاد جماعيا دفعة واحدة ، أو كان تدريجيا على أساس السنّة الطبيعية للخلق في إخراج الأبناء من أصلاب الآباء ؟ ! ليس هناك في الآية ما يؤكد الاحتمال الأول ، لأنّ مجرّد الحديث عن الموضوع بطريقة الجمع لا يدلّ على ذلك ، لأن الطريقة القرآنية جرت على الحديث عن القضايا الإنسانية التي تخضع لعنوان واحد أو موقف مشترك بأسلوب يوحي باعتبارها ظاهرة واحدة ، في الوقت الذي لا تكون مثل هذه القضايا مجموعة في زمان واحد ، لأنّ الهدف هو الحديث عن الفكرة المشتركة التي تجمع الكلّ ، بعيدا عن طبيعة الخصوصيات الفرديّة المتمثّلة فيها على صعيد وجودها الخاص ، بل ربما نجد ما يؤكد الاحتمال الثاني ، لأن الظاهر أن إخراج الذرية من الظهور وارد على سبيل الكناية عن عملية الخلق والإيجاد الفعلي ، كما في الآيات التي تتحدث عن خلق الناس جميعا من دون تفصيل للطريقة التدريجية في ذلك . وإذا كان الأمر كذلك ، كانت المسألة ظاهرة في تدريجية الوجود ، لأن الخلق الفعلي كان على هذا الأساس . وعلى هذا ، فإنّ المراد بالإشهاد ، هو الإشهاد المنطلق من عملية الخلق ، في ما أودعه اللَّه في كل واحد من الدلائل والبراهين على وجوده وتوحيده ، من خلال الفطرة التي أودعها في تكوين الإنسان ، مما تعتبر شاهدا على قضية الإيمان في ما توحي به من أفكار ، وما تثيره من مشاعر ، إذا لم ينحرف بها الإنسان عن مسارها الطبيعي بسوء اختياره . وبهذا يكون كل فرد من بني آدم شاهدا على نفسه بفطرته التي تنطق بذلك ، بنفس حركة الوجود في